حبيب الله الهاشمي الخوئي
371
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
بدن الآكل أجزاء أصليّة وأجزاء فضليّة ، وفي المأكول كذلك ، فإذا أكل الانسان سبع صار الأصلي من أجزاء المأكول فضليا من أجزاء الآكل والأجزاء الأصليّة للآكل هي ما كان له قبل الاكل ، واللَّه بكلّ خلق عليم ، يعلم الأصلي من الفضلى فيجمع الأجزاء الاصليّة للآكل وينفخ فيها روحه ، ويجمع الأجزاء الاصليّة للمأكول فينفخ فيها روحه ، وكذلك يجمع الأجزاء المتفرقة من البقاع والأصقاع بحكمته الشّاملة وقدرته الكاملة . ثمّ بالغ سبحانه في إبطال إنكارهم بقوله : الذي جعل لكم من الشّجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توفدون ، ووجه المبالغة هو أنّ الانسان مشتمل على جسم يحسّ به وحياة سارية فيه وهي كحرارة جارية فيه ، فان استبعدتم وجود حرارة وحياة فيه فلا تستبعدوه فانّ النار في الشّجر الأخضر الذي يقطر منه الماء أعجب وأغرب وأنتم تشهدونه حيث إنّكم منه توقدون . وإذا حقّقت ما ذكرناه ووضح لك صحّة المعاد الجسماني وضوح الشّمس في رابعة النّهار : ظهر لك فساد ما ربّما قيل أو يقال : من أنّ الآيات المشعرة بالمعاد الجسماني ليست أكثر وأظهر من الآيات المفيدة للتّجسّم والتّشبه والجبر والقدر ونحو ذلك وقد وجب تأويلها قطعا وصرفها عن ظواهرها . قلنا دلّ هذه الآيات أيضا إلى بيان المعاد الرّوحاني وأحوال سعادة النّفس وشقاوتها بعد مفارقة الأبدان والأجسام على وجه يفهمه العوام ، فانّ الأنبياء مبعوثون إلى كافّة الخلق للارشاد بقدر الاستعداد إلى سبيل الحقّ وتكميل النفوس بحسب القوّة النظرية والعملية وتبقية النظام المفضى إلى صلاح الكلّ . وذلك بالتّرغيب والتّرهيب بالوعد والوعيد والبشارة بما يعتقدونه لذّة وكمالا والانذار عمّا تعدونه ألما ونقصانا وأكثرهم عوام تقصر عقولهم لا يفهمون عالم الأشباح والمحسوسات عن ذات المبدأ الأوّل والشّريعة تحاكيها بمثالاتها المأخوذة من المبادى الجسمانية وتحاكى الأفعال الإلهية بأفعال المباد المدنيّة من الملوك والسلاطين القهارين وهكذا .